محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
109
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
إن هذه المكوّنات الفكرية التي ذكرناها بعبارات عمومية جدا لكي تشمل المثال اليهودي والمسيحي قد اتخذت مع القرآن تدقيقات يجدر التنبيه إليها . ينبغي أن نعلم أن تعبير « أهل الكتاب » الوارد في القرآن يشير إلى الكتاب السماوي بصيغة المفرد لأن جميع الأنبياء السابقين على محمد قد تلقوا رسالات صادرة عن النموذج المثالي الأعلى للكتاب أو : أمّ الكتاب كما يقول القرآن ( انظر بهذا الصدد الآية السابعة من سورة آل عمران ) . وهذا الكتاب الأعلى أو أمّ الكتاب مصون في اللوح المحفوظ ( انظر بهذا الصدد الآية الثانية والعشرين من سورة البروج ) . يحصل ذلك كما لو أن كتب الوحي المتتابعة ليست إلّا طبعات أرضية لهذا الكتاب السماوي والنموذجي الأعلى ، أي أمّ الكتاب . وهذا الاعتقاد تترتب عليه نتائج وانعكاسات مطلوب من إعادة القراءة أن تتفحّصها بكل انتباه . وأول هذه الانعكاسات أو النتائج ما يلي : المعرفة في « أمّ الكتاب » متصوّرة وكأنها كلّية ، صحيحة ، أزلية وأبدية . كما أنها صحيحة ، ولكنها جزئية وعرضة للتنقيح والتعديل والمراجعة ( أو الناسخ / والمنسوخ ) في الطبعات الأرضية . يضاف إلى ذلك أن التوصل إلى المعنى الصحيح لكلام اللّه المتجلّي أو الموحى به يتوقف على صلاحية تقنيّات التأويل أو التفسير . وينتج عن ذلك توجّه ما وشيوع أشكال نمطية من المعرفة في مجتمعات الكتاب . أما النتيجة الثانية المترتبة على هذا الاعتقاد فتتمثّل فيما يلي : إنّ علوم اللغة تميل إلى أن تحتل المرتبة الأولى أو الخطوة الأولى في تنظيم المعرفة ككل داخل هذا النوع من المجتمعات . ولكننا نلاحظ في الوقت ذاته أن هذه العلوم تعتمد في أن معا على نظام العقائد / واللاعقائد المفروض من قبل الكتاب السماوي ( انظر بهذا الصدد النظريات المتعلقة بأصل اللغة أو منشئها : هل هي معطى من اللّه أم اصطلاح ؟ . . ) ، كما تتوقف على الأطر الاجتماعية - الثقافية للمعرفة . وهي أطر خاصة بكل عصر وكل وسط اجتماعي ، وتختلف من هذا العصر إلى ذاك ، ومن هذا المجتمع إلى ذاك . وبالتالي فمن الضروري أن نبيّن إلى أي مدى يمكن وصف جدلية الكتابات المقدسة - القراءات « 1 » بصفتها انعكاسا للجدلية الاجتماعية في مجتمعات الكتاب السماوي ومحفّزا لهذه الجدلية . وهكذا تتعقّد المهام اللغوية والسيميائية الدلالية لإعادة القراءة عن طريقة إضافة منهجيات علم الاجتماع وعلم النفس التاريخي إليها . والواقع أنه في كل هذه الذرى تعاش وتتجسد الجدلية الكليانية الكائنة بين المعنى والوجود ( وليس الجدلية المتشظية أو المتبعثرة على عدّة مستويات أو وجهات نظر اختصاصية ) .
--> ( 1 ) لشرح هذه الصياغة التعبيرية أو المفهومية ، انظر كتاب محمد أركون : مقالات في الفكر الإسلامي ( بالفرنسية ) ، مرجع مذكور سابقا ، ص 186 وما بعدها .